15 ايار من الايام الحزينة في حياة الفلسطيني … انه يوم ذكرى النكبة والخيبات والدمار … يوم ألم وتمزق وإحباط ، بدأت به التغريبة الفلسطينية في منافي الشتات ، و يكثر فيه اطلاق زفرات الأسى ، والحديث عن الطعنات التي تلقتها فلسطين دون تفريق بين نصل واخر .
في صباح ذات يوم من ايام 15 ايار ، إستيقظت مبكرا بعد نوم متقطع … وفي داخلي رغبة عطشى لايقاظ حزن قديم لا أستطيع التخلي عنه … إمتلكني نفس الشعور الذي احس به في مثل هذا اليوم بمزيد من المرارة و التوتر والكاّبات … استغرقت بعض الوقت في حلم من احلام اليقظة استحضرت فيه شحنات أحداث كثيرة قديمة مدفونة في عروقي عشتها في فلسطين ما قبل النكبة ، ما زالت تتوالى امامي واحدة تلو اخرى بتتابع في دوائر موصدة ، كما لوأنها جزء من الواقع المعاش .
بعد فترة وجيزة من التخيل ، قررت الخروج من البيت ، وفي غضون دقائق كنت في شارع سان ماثيو ، واصلت السير فيه على الاقدام شارد الذهن باتجاه شارع سانت كاترين ، الجزء الافضل في وسط مدينة مونتريال … توقفت فجأة ساهما امام إشارة المرور الضوئية القائمة عند ناصية تقاطع الشارعين معا ، على مقربة من عمارة الفابور المعروفة في وسط المدينة .
وفيما كنت أنتظر تحول الإشارة الضوئية الى اللون الاخضر ، لكي اقطع شارع سانت كاترين ، والاتجاه شرقا على رصيفه الايمن رأيت علما يرفرف عن بعد (تتوزع ألوانه بين الابيض والاسود والاحمروالاخضر ) علق بعناية امام عمارة تقع على الجهة اليمنى من شارع سان ماثيو ، مقابل عمارة الفابور .
ظهر اللون الاخضرعلى الإشارة الضوئية وسمح للمارة بالعبور … غيرت اتجاه سيري و اتجهت الى الامام على امتداد شارع سان ماثيو ، مدفوعا برغبة للتعرف على العلم المرفوع امامي … اقتربت من العلم اكئر واكثر ، وتأكد لي انه علم فلسطين مرفوعا على قارعة الطريق … غمرتني السعادة بهذا الاكتشاف غيرالمتوقع في يوم حزين يذكرني بيوم خروجي من حيفا في بواكير ايامي .
بدأ التوتر ينحسر تدريجيا في داخلي … شعرت ُ بهدوء وسكينة ، وكأن العلم المرفوع امامي انتشلني من حفرة مظلمة .
وقفت امام العلم ، ورأيت بجانبه شابا ، يلف حول عنقه كوفية فلسطينية … إقترب مني … رمقني بنظرة سريعة وسألني بصوت عال باللغة الانجليزية : " ألا يعجُبك ".
وردا على سؤاله قلت له متحمسا باللغة العربية : " يعجبني كثيرا ، انه علم بلادي " … بعد ذلك قبلت العلم عدة مرات .
"عذرا ، عذرا " قال محدثي بنبرة هادئة باللغة العربية واضاف مبتسما " ظننتك منهم … قبل قليل تجادلت مطولا مع عدة اشخاص ، انكروا وجود فاسطين ، حاولوا افتعال مشاجرة معي ، لكنني تمكنت بهدوء ان أسمعهم وجهة نظري " .
قدمت له نفسي … تصافحنا ، وقدم لي نفسه : " اسمي محمد الحسيني ، لبناني من منطقة جبيل و من عشاق فلسطين " .
أخبرني انه يرفع العلم الفلسطيني دوما في 15 ايار بنفس هذا المكان امام محله … عادة درج عليها منذ عدة اعوام … هناك من يتجاوب معه ، ويطلب المزيد من المعلومات والشرح حول القضية الفلسطينية ، وهناك من يزعجه بانكاره وجود فلسطين ، يتناقش مع كل الذين يقفون بجانب العلم ، يعطيهم الكثير من الادلة والبراهين على عروبة فلسطين ووجودها، ويتفوق
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ